الانتقال إلى المحتوى الرئيسي
أثر للاستشارات التعليمية
العودة إلى رؤى

المناهج والتقويم

من نواتج التعلّم إلى التقويم: لماذا يهمّ الاتساق؟

حين تتّجه النواتج والتدريس والتقويم في اتجاهات مختلفة، يتّبع المتعلمون التقويم. لماذا يُعدّ الاتساق عماد جودة البرنامج، وكيف نتحقق منه.

أثر للاستشارات التعليمية

4 دقائق للقراءة

لدى معظم البرامج التعليمية نواتج تعلّم، ولدى معظمها أساليب تقويم. لكن قليلًا منها يحظى بعلاقة واضحة ومقصودة بين الاثنين.

ومن السهل ألا تُلاحظ هذه الفجوة. فالنواتج مكتوبة في وثائق البرنامج وتوصيفات المقررات، بينما يكتب التقويمَ أعضاءُ هيئة التدريس أو المدربون أفرادًا، وغالبًا تحت ضغط الوقت، وأحيانًا بعد سنوات من اعتماد النواتج. يبدو كلٌّ منهما معقولًا بمفرده، ولا تتضح المشكلة إلا حين يوضعان جنبًا إلى جنب.

ما المقصود بالاتساق؟

الاتساق هو المبدأ القائل إن ما يريد البرنامج أن يحققه المتعلمون، وطريقة تعليمهم، وطريقة تقويم ما حققوه، ينبغي أن تتّجه جميعها في اتجاه واحد. ويُشار إلى ذلك في أدبيات التعليم غالبًا بـالاتساق البنائي: يبني المتعلمون فهمهم من خلال أنشطة صُمّمت لتنمية النواتج المقصودة، وتُصمَّم مهام التقويم لتُظهر ما إذا كانت تلك النواتج قد تحققت.

وبصورة عملية، يعني الاتساق أن المراجع يستطيع أن يجيب عن ثلاثة أسئلة لكل ناتج مقصود:

  1. أين يُنمّى هذا الناتج في البرنامج؟
  2. أين يُقوَّم، وكيف؟
  3. هل يتطلب التقويم من المتعلم أن يُظهر الناتج بالمستوى الذي يصفه؟

كيف يبدو غياب الاتساق؟

نادرًا ما يكون غياب الاتساق صارخًا، بل يظهر عادةً في أنماط مألوفة:

  • عدم تطابق المستوى. يطلب الناتج من المتعلم أن يقيّم أو يصمّم أو يبرّر، بينما يطلب التقويم منه أن يسترجع أو يصف. فيستطيع المتعلم النجاح دون أن يُظهر القدرة المقصودة أبدًا.
  • نواتج لا تُقوَّم. بعض النواتج تُنمّى في التدريس لكنها لا تُقوَّم مطلقًا، فتتراجع مع الوقت في أولويات المتعلم، ثم في التدريس نفسه.
  • تقويم بلا ناتج. بعض أساليب التقويم تقيس أمورًا لا يذكرها أي ناتج، وغالبًا ما تكون محتوى يراه مدرّس بعينه مهمًا. قد تكون ذات قيمة، لكنها غير مرئية على مستوى البرنامج.
  • انقطاع التتبّع. لا يمكن تتبّع نواتج البرنامج إلى مقررات أو وحدات محددة، فلا يستطيع أحد أن يبيّن أين — أو هل — يحقق البرنامج ما يعد به.
  • تفاوت الأوزان. يُقوَّم ناتج مرارًا في مقررات كثيرة، بينما يُقوَّم ناتج آخر لا يقل أهمية مرة واحدة أو لا يُقوَّم إطلاقًا.

لماذا يهمّ ذلك؟

السبب الأول بسيط: المتعلمون يتّبعون التقويم. فمهما أعلن البرنامج عمّا يقدّره، سيستثمر المتعلمون جهدهم — بشكل منطقي — فيما سيُقوَّمون عليه. فإذا كافأ التقويم الحفظ، فالحفظ هو ما سينتجه البرنامج، أيًّا كان ما تقوله نواتجه.

والسبب الثاني هو الشواهد. إذ تطلب مراجعات الجودة وإجراءات الاعتماد بصورة متزايدة من البرامج أن تُثبت — لا أن تدّعي فقط — أن المتعلمين يحققون النواتج المقصودة. ومن دون الاتساق، لا يمكن أن تكون نتائج التقويم دليلًا على تحقق النواتج، ولا يملك البرنامج حينها ما يقدّمه سوى توزيع الدرجات.

والسبب الثالث هو المصداقية. فجهات العمل والمجتمعات المهنية تحكم على البرنامج بما يستطيع خريجوه فعله حقًا. والبرنامج الذي تصف نواتجه قدرات متقدمة، بينما يشهد تقويمه على شيء أضيق، يفقد تلك المصداقية مع الوقت.

وفي تعليم المهن الصحية تكون المخاطر أعلى؛ إذ يشهد التقويم على الجاهزية لتحمّل مسؤوليات تمسّ المرضى والمجتمع. وعدم الاتساق بين الكفايات المقصودة وما يُقوَّم فعلًا ليس ضعفًا أكاديميًا فحسب، بل مسألة مسؤولية مهنية.

كيف نتحقق من الاتساق؟

لا تتطلب المراجعة العملية للاتساق أدوات معقدة، بل نظرة منظّمة إلى البرنامج ككل.

ابدأ بمصفوفة المنهج. اسرد نواتج التعلم للبرنامج، واربط كل ناتج بالمقررات أو الوحدات التي تنمّيه، مع بيان ما إذا كان الناتج يُقدَّم، أو يُطوَّر، أو يُظهَر بمستوى الإتقان. وستتضح الفجوات والتكدّس بسرعة.

اربط التقويم بالنواتج. حدّد لكل مقرر النواتج التي توفّر كل مهمة تقويم رئيسية دليلًا عليها. وسيكشف ذلك النواتج غير المقوَّمة، والتقويم الذي لا يرتبط بناتج.

تحقّق من المستوى. قارن المستوى المعرفي أو الأدائي لكل ناتج بما تتطلبه مهمة التقويم المقابلة من المتعلم فعلًا. وهذه الخطوة غالبًا ما تكون الأكثر كشفًا، والأكثر فائدة في تطوير أعضاء هيئة التدريس.

انظر إلى البرنامج، لا إلى المقرر فقط. كثير من مشكلات الاتساق لا تُرى داخل المقرر الواحد، ولا تظهر إلا حين يُرسم البرنامج كاملًا. وقيادات البرامج — لا المدرّسون أفرادًا — هم الأقدر على معالجتها.

تحسين الاتساق عمليًا

يكون العمل على الاتساق أكثر فاعلية حين يكون تشاركيًا. يحتاج أعضاء هيئة التدريس والمدربون إلى فهم أهمية المراجعة، وإلى دعم عملي — مثل مخططات التقويم، ونماذج المهام، وسلالم التقدير المشتركة — لإجراء التغييرات.

ومن المهم أيضًا تحديد الأولويات؛ فليست كل الفجوات بالوزن ذاته. إن مشروع التخرج الذي لا يقيس الناتج المحوري للبرنامج أهم بكثير من اختبار قصير ابتعد قليلًا عن أهداف مقرره. وخارطة الطريق الجيدة للتحسين تبدأ بالتغييرات الأكثر تأثيرًا فيما يحققه المتعلمون وفيما يستطيع البرنامج إثباته.

وأخيرًا، ليس الاتساق عملًا يُنجز مرة واحدة. فالبرامج تتطور، وأعضاء هيئة التدريس يتغيرون، ومهام التقويم يُعاد كتابتها. وإدماج التحقق من الاتساق في المراجعة الدورية للبرنامج يحافظ على تماسكه مع الوقت.

عماد البرنامج، لا إجراء شكلي

تُعامل نواتج التعلم أحيانًا كمتطلب يُستوفى في الوثائق. أما في البرنامج المحكم التصميم فهي العماد الذي يربط المقاصد بالتدريس والتقويم.

وحين يكون هذا الرابط قويًا، يعرف المتعلمون ما هو متوقع منهم، ويتشارك أعضاء هيئة التدريس فهمًا واحدًا للمعايير، وتستطيع المؤسسة أن تُثبت — بالشواهد — أن برنامجها يحقق ما يعد به. ولهذا يُعدّ الاتساق من أثمن ما يمكن أن يستثمره البرنامج في جودته.

مقالات أخرى